الوظيفة تسرق الأعمار بلا فائدة

راقت لي فنقلتها لكم
صحيح إن الوظيفة تسرق الأعمار بلا فائدة، ومن أقبح ما في هذا الوجود أن تكون موظفا يتم القبض عليك داخل مقر عملك من الثامنة والنصف صباحا إلى الرابعة والنصف بعد الزوال، بينما تمر أشياء جميلة خارج هذا الفضاء لن تراها ولن تنعم بها.... ستقضي الجزء الكبير والمهم داخل هذه الدوامة... لن تستطيع التغيب إلا بإذن، ولن تستفيد من عطلة أو استراحة إلا بإذن، وإذا حدث ومرضت لن يصدقك أحد حتى تدلي بشهادة طبية، وأحيانا لن يصدقوا حتى مرضك البادي على وجهك -والذي يكون في غالب الأحيان نتيجة الإجهاد والإرهاق والضغط في العمل- فيرسلوك إلى الفحص المضاد... لن تتمتع بنوم الصباح... لن تتمتع بشبابك وبأيامك الذهبية لتتيه وسط حروب تفرضها طبيعة شغلك...
ستجد في طريقك#كائنات_وظيفية_عجيبة_لا_يهمها_سوى_الوصول، وهي مستعدة لفعل كل شيء من أجل الصعود... وبئس الصعود... ستجري وتسابق الزمن لتكون حاضرا في الوقت الذي حددوه لك... ستعيش على أعصابك متوترا وستستهلك أقراصا مقوية وأخرى ضد التوترات العصبية...ستظل تتمنى وتنتظر الزيادة في الأجور وتترقب ترقيات الرتبة والسلم... كما ستتابع الحوارات الإجتماعية مع النقابات وما سيؤول إليه إخراجها المسرحي...

لن يسمح لك بالمغادرة إلا بعد ان تقضي اثنين وثلاثون سنة داخل هذه الدوامة المضنية أو عندما تبلغ السن القانوني للتقاعد... ليحتفل بنهايتك وبالإعلان عن قرب موتك زملاؤك في العمل... وليقولوا كلمة وداع في حقك... سيبكي البعض ليس عليك بل على حالهم الذي يشبه حالك... وسيمنحك رئيسك المباشر شهادة وهدية بلا قيمة، شهادة ليست سوى عربون عزاء في حق حياتك التي سرقت منك... ستعود إلى البيت صامتا لتبدأ نمطا جديدا من الحياة مخالفا تماماً لما كنت عليه، وفي صباح أول يوم من تقاعدك ستنتبه أن الأولاد رحلوا عن البيت، وأن شريكة حياتك هرمت وغشى الشيب رأسها، وأنت تتمعن في الحياة من حولك ستتساءل متى وقع كل هذا؟ وكأنك بدأت للتو تتنبه إلى أن غشاوة تكونت حول عينك ولم تفطن بها وقد آن الأوان أن تزيلها...

حينها سينادي المنادي فيك... إن الوظيفة تسرق الأعمار بلا فائدة يا ولدي... سيعاتبك ضميرك أشد عتاب، لماذا لم تغادرها وأنت في كامل طاقتك لتستمتع بجمال زوجتك وأبنائك وبالحياة من حولك؟ ستجيب نفسَك في آخر إعلان هزيمتُك... لم تكن لدي الإمكانيات ولم يكن لدي خيار ثاني... ستستسلم آخر إستسلام وستركن الى النوم لتصاب بالياس والاكتئاب، وتبدأ رحلة علاجاتك من الأسقام والعلل المتراكمة جراء سنوات الضياع، وأخيراً سترحل عن هذا العالم يا ولدي دون أن يعلم أحد بموتك. فمن عاش حاني الرأس يموت دون مقاومة... بينما سيتقدم العديد من الشباب بعد رحيلك إلى مباراة تخص نفس وظيفتك، وسيحلمون كما كنت تحلم وأنت في أوج شبابك وفي بداية عهدك بهذا المشوار... وستتكرر نفس المأساة لتنتقل أطوارها من زيد إلى عمرو، بينما حياتك وحياتهم الجميلة لن تتكرر...
منقول

 

هل استمتعت بهذه المقالة؟ إشترك في النشرة البريدية ليصلك كل جديد

التعليقات
يجب أن تكون مسجلا للدخول لتكتب تعليق
مقالات ذات صلة
ديسمبر ٢١, ٢٠٢١, ٥:٥١ م - mohttawa
ديسمبر ١٦, ٢٠٢١, ٣:٠٢ م - mohttawa
ديسمبر ١٦, ٢٠٢١, ٢:٥٥ م - mohttawa
ديسمبر ١٤, ٢٠٢١, ٧:٥٠ م - الاستادة الدكتورة فاطمة محمد
كاتب المقال